محمد بن يزيد المبرد

473

المقتضب

فأمّا « هم » ، فلا يكون إلّا لما يعقل . فإذا أضفت إلى اسم جنس من غير الآدميّين قلت : « عندي ثلاث من الإبل » ، و « ثلاث من الغنم » . وتقول : « عندي ثلاث من الغنم ذكور وثلاث من الشاء ذكور » ، وكذلك ما أشبه هذا ؛ لأنّك إنّما قلت : « ذكور » بعد أن أجريت في اسمه التأنيث . ألا ترى أنّك إذا حقّرت « الإبل » و « الغنم » قلت : « أبيلة » و « غنيمة » . وتقول : « عندي ثلاثة ذكور من الشاء ، وثلاثة ذكور من الإبل » ؛ لأنّك إنّما قلت : « من الإبل » ، و « من الشاء » ، بعد أن جرى فيه التذكير ؛ كما تقول : « عندي ثلاثة أشخص » ، ثم تقول : « من النساء » ؛ لأنّك أجريت عليه التذكير أوّلا على لفظه ، ثمّ بيّنت بعد ما تعني . وتقول : « عندي ثلاثة أنفس » ، وإن شئت قلت : « ثلاث أنفس » . أمّا التذكير ، فإذا عنيت بالنفس المذكّر . وعلى هذا تقول : « عندي نفس واحد » ، وإن أردت لفظها قلت : « عندي ثلاث أنفس » ؛ لأنّها على اللفظ تصغّر « نفيسة » . وعلى هذا قوله عزّ وجلّ : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ « 1 » ، وقال عزّ وجلّ : أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ « 2 » ، وقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ « 3 » على مخاطبة النفس ، وقال : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ « 4 » . وتقول : « ثلاثة أفراس » و « ثلاث أفراس » ؛ لأنّ « الفرس » يقع على الذكر والأنثى . فأمّا قولك : « هذه عين القوم » وأنت تعني الرجل بعينه ، فلأنّك وضعته موضع « العين » بعينها ، فأقمته ذلك المقام . ولو سمّيت رجلا « عينا » لقلت في تصغيره : « عيين » . فإنّما هذا بمنزلة قولك للمرأة : « ما أنت إلّا رجيل » ، وللرجل : « ما أنت إلّا مريئة » ؛ لأنّك تقصد قصد الشيء بعينه . فقس ما ورد عليك من هذا ، تصب إن شاء اللّه . فأمّا تسميتهم الرجل « عيينة » و « أذينة » ، فإنّما سمّوا بهما بعد أن صغّرتا في موضعهما ، ولو سمّيت الرجل « أذنا » ، ثم صغّرته ، لقلت : « أذين » . فاعلم . * * *

--> ( 1 ) الفجر : 27 . ( 2 ) الزمر : 56 . ( 3 ) الزمر : 59 . ( 4 ) آل عمران : 185 .